الاثنين، 23 مارس، 2015

الجسد المُر

لا أُحب المطابخ، لكني وقفت فيه يومها لأكون في ريح أُمي، لم نتحدث كنت فقط أراقبها وهي تقشّر البصل وتفرم الطماطم وتحمّر اللحم، أشعر بنفسي مع كل ضربة سكين وقرقعة زيت، أنا الزيت أغلي لينضج الطعام في، فينتشلونه ويتركوني، ينسوني، حتى أضمحل وأفنى في هدوء بعد أن يتغير لوني من الحرقة للأغمق، ثم فجأة وبدون مُبررات يتخلصوا منّي..أخبرهم أني أنا الفرِح الذهبي المتلألأ، أنا الذي كنت ألمع وأقرقع بالضحكات المتتاليات، قبل أن ينضج اللحم بوهجي، لا يصدقوني.
كنت أجلس على الأرض "يا بنتي الأرض متزفرة زيت" أمي، لا أسمعها، الأرض طيبة وحنونة تمنحني ما لا يمنحه البشر، فكما تعلوا بنا السعادة لما فوق الأرض، تأخذنا التعاسة للأعماق، أمدد ساقي وأبكي في هدوء.
عندما إنتقلنا لغرفة المعيشة حمدت الله على قطع النور، هناك بكيت براحة أكبر وأنا أمام هاتفي اللعين، أنقره فيشتد بكائي، صوت التلفاز يغطي على نهنهنتي، فلا يشعر بي إلّا هي، تحاول أن تجر حديث معي، لكن صوتي المخنوق لا يسعف، وقلبي المخنوق كذلك.
تذكرت هذا الكابوس الذي زارني بالأمس، كان شاباً قوياً، حاول أن يغتصبني، لم يكن عنيفاً، دفعته فإبتعد، قصصته لأمي فذكّرتني بكابوسي القديم المتكرر، عارية في ركن ما أحاول عبثاً أن أخفي عريي بيدي، دون فائدة، كل العيون تنهشني "لا تشعرين بالأمان" أمي، "لا أشعر بشئ" أنا.
"أنا ليه مش زيك؟" أسألها "ليه مش زيكم؟" أستطرد
"هو انتي في زيك!" أمي!
"ليه مفيّاش خير زيكم؟ ليه أنا حد سيئ كده؟"
تظل أمي تردد حتى أغادر البيت أني أفضل إنسانة في الوجود! أمي!
أراجع هاتفي، عشرون رسالة..أولهم تقريع وآخرهم إستجداء. بينهم إعتذار..إعتذار لمن منحني كل هذا الألم ومنحته سُبّة تليق بوجعي. أنا أسُبّ إنسان وجهاً لوجه! كيف غيرتني الدنيا لهذه الدرجة، كيف يستطيع الألم أن يغيرنا ويصنع منّا آخرين قادرين على السبّ بكل بساطة وقناعة ورضا..يجعلنا قادرين على إرسال عشرون رسالة بلا رد واحد.
تعيسة أنا بكرامتي المطاطة وقلبي المهترئ الذي يفلت الكذبات بسهولة.

مازلت عارية
والمغتصب هناك ينتظر الفرصة
لا يعرف أن دمائي فوق جسدي
وجسدي من كثرة الألم..مُرّ.




السبت، 21 مارس، 2015

عزيزي الميت

أن يخذل الرجل امرأة تُحبه ويخونها أو يتركها أو يجافيها أمرعشناه وعهدناه فيهم، أن تكون النهايات دائماً بائسة وحزينة، أمرعشناه وعهدناه فيهم، أن يعرفوا الفتايات الجميلات الطموحات الحالمات ويجعلوا منهن تعيسات بأرواح معذَبة، أمر عشناه وعهدناه فيهم، لكن وعلى كل ما نعيشه ونراه، يبقى هناك دائماً هذا الرجل النبيل الذي يحافظ على المرأة بعد فراقهما أكثر ويمنحها الفراق الجميل والذكرى الحلوة ونسيم الإشتياق، ويصمت عن كل ما يؤذيها وإن نطق ينطق إنصافاً لها لا تبرّأً منها، أما أن تنتفي عن الرجل صفة النُبل فهو يصبح مجرد شبه رجل يمشي على الأرض، حتى الأرض تمتعض من حمله.
عزيزي الميت، كم هو مؤسف أن ندفن رجلاً وهو مازال يتنفس، كم هو مؤلم أن الرجل الذي ظنناه الرجل الرجل، العظيم في كل أحواله، نكتشف أنه مجرد ظل لا ينتمي لقناعاته النبيلة، وندل آخر من الأندال، كم هو موجع أن يسقط من قاع عيوننا من كان على قمة القلب، سقوط مدوي وحقير.
عزيزي الميت، إن كل محاولات الغير لكسر صورتك العظيمة المنقوشة على كل جدار في القلب لم تفلح، حتى أتيت أنت وألقيت بماء النار على كل شئ، وزالت صورتك بإحتراق القلب، بيدك.
عزيزي الميت، ستعيش طويلاً بلا روح، لن تبكي ولن تندم، حتى بعد أن يفارقك كل المخلصون، هكذا حال كل الأندال في الدنيا، لكنك يا مسكين ستكون ميت بالفعل في قلوب كل من أحبوك..ويبقى لك الأغراب يصفقون لرجل لا يعرفون عنه شئ.

الأربعاء، 25 فبراير، 2015

شِفاءُ الفجأة

بعض الأشخاص يتغير قلبي معهم فجأة.
أنا من هؤلاء ممن يفكّرون بقلوبهم ويغضبوا بدمائهم فيمرضوا، وينهاروا من أقل قسوة..أذكر في ما مضى أن قلبي كان مفتوح للبشر بقدر يسير، حيث أراهم ولا أسمح لهم بالدخول، الحدود دائماً أفضل، تعلمت هذه الحكمة بعد سنوات من العذاب مع صديقة عمري، عندما جفت منابع صبري (أو هكذا ظننت) وبدأت أنتبه أن العلاقات العاطفية المتأرجحة بين أقصى مراحل القرب والبُعد، هي في الحقيقة علاقات مشوّهة، العلاقات التي تجعلنا نبكي كثيراً وتجعل قلوبنا تنزف، وألسنتنا لا تكف عن التبرير، هي علاقات ضارة تأكل أرواحنا وتقتل شغفنا في صمت وبطأ.

وبعد سنوات طوال من هذه التجربة القاسية وبعد أن تعودت وضع الحدود وخسارة كل من لم ينتبه ويُصرعلى الإقتراب، حدث ما لم أتوقعه (عملت حادثة) هكذا أرد على كل من يسألني لماذا تغيرت، أقولها وأنا أبتسم، أنا دائماً أبتسم، من يعرفني جيداً يستطيع أن يقرأ المعنى وراء كل إبتسامة، تغيّر قلبي وانفتحت الأبواب ببطأ حتى أصبحت على مصراعيها، المشكلة أنني كل ما وددت غلق الأبواب مرّة أخرى، حبست بداخل قلبي هذا الشعور فلا يسعني التخلص منه..أنا عملت حادثة..تركت بي أثر لا يزول، عاهة مستديمة.
لماذا أستعذب طعنات كل من ضمّني إلى صدره؟ لماذا أستمر؟
في يوم بعيد مضى تغيّر قلبي تجاه صديقتي الأقرب فجأة وأصبحت الآن حين أراها صدفة أدير وجهي ويشمئز قلبي، أقول في نفسي (كل هذا الألم!) كيف سمحت لها أن تؤلمني لهذا الحد؟، وفي يوم قريب مضى تغيّر قلبي فجأة، وغفرت لإمرأة أذتني، الغريب أنني لم أغفر لها فقط، وجدت نفسي أشعر بالمودة تجاهها، وشعرت منها بالمثل إن لم يخنّي قلبي هذه المرّة، تخيلت أننا لو كنا في مكان آخر في العالم أو زمن آخر من التاريخ لكان من الممكن أن نصبح أقرب.
لازلت كلما نظرت للإنسان الذي تغيّر قلبي تجاهه فجأة أشعر بالغربة، هل فعلاً أحببته كل هذا الحُب؟ أسأل نفسي مراراً، أفتش في قلبي عن جروحي منه أجدها طابت، أفتش في جسدي على آثار ظلمه أجدها طابت، أفتش في ذاكرتي عن الأيام الجميلة أجدها بعيدة مثل نجوم لا تضيئ، الفرق كبير بين القسوة والجفاء، القسوة تأتيك من إنسان يخاف عليك بطريقته، أو يخاف قربك فيحمي نفسه بطريقته، تأتي من شخص محزون فقد قلبه في الطريق، لكن الجفاء يأتيك من شخص لم يعد يراك، ولم يعد يكترث، القسوة تميت الحُب ببطأ وتبعثه من جديد، أما الجفاء يميت كل شئ دون بعث.
والآن أنا أنتظر مفاجأة أخرى، المفاجأة الأخيرة التي أدعو الله كل ليلة أن تأتي لتتبدل حياتي، أن يتغير قلبي فجأة، أنام وأصحو فأجد اللاشئ، وأجد أن حواسي عادت وبصري ارتد وقلبي ينبض بلا خوف، وتلك الرجفة اللعينة في جسدي ويداي غادرتني للأبد.
لكن متى؟
اللهم اني كما عُذت بك من ميتة الفجأة وغدر الفجأة وفراق الفجأة، أسألك اللهم الآن شفاء الفجأة.

السبت، 10 يناير، 2015

في صباح يوم شتوي رائع أتاها صوته القوي و لبت النداء..قادت سيارتها على أقصى سرعات الجنون لتواجه مجازفة عمرها..لم تكن تعرف أنها على موعد مع الشقاء السعيد..مشت في الشارع المغسول، وقفت أمام الفاترينه اللامعه تنتظر الغريب، حتى رأت حلمها يتجسد في حضوره الرائع..إنتشت للأبد..و أخيرا عرفت لمن كانت و لمن ستكتب طول العمر...و أيقنت لماذا تعشق الشتاء.